26 مايو، 2009

صرافة العملة.. سوق سوداء رغم أنف التنظيم ... ومهنــة الصــرافـة فصّلــت عــلى مقــاس أشخــاص



في العام 2006 صدر القانون رقم 24 الذي يجيز لمجلس النقد والتسليف أن يرخص لإحداث مؤسسات تقوم بمزاولة أعمال الصرافة بحيث يتم تقسيم مؤسسات الصرافة إلى نوعين: الأول شركات صرافة مساهمة مغفلة سورية، والثاني مكاتب صرافة على شكل شركات تضامنية بين أشخاص طبيعيين من الجنسية السورية ومَن في حكمهم، الأمر الذي جعل الباب مفتوحاً أمام المصارف العامة والخاصة وجميع الراغبين بتأسيس شركات صرافة مساهمة مغفلة بالإضافة لدخول شركات الصرافة العربية والعالمية ذات الخبرة المميزة المساهمة ضمن هذا المجال.
قبل صدور هذا القانون كان العاملون بمهنة الصرافة بسورية يعتمدون الخفاء واستخدام عناوين مختلفة لمهنتهم، وضمن أسواق معينة تجمع معظمهم كسوق الحميدية وشارع الحمراء والمحلات التي تقع بجانب فندق الشام بدمشق، معتمدين في صرف عملاتهم على نشرة الأسعار التي تأتيهم من الدول المجاورة والتي كانت مصدرهم الأساسي في تحديد سعر الصرف لديهم.


وبعد صدور القانون اعتقد الكثيرون أنها البداية لاختفاء هذا السوق نتيجة لخروج العاملين به من خلف مهنهم التي وضعوها كواجهة لممارسة عملهم، متحولين بنشاطهم إلى شكل علني وبطريقة نظامية يتم بها إزالة الأثريات أو الألبسة الشرقية من رفوف محلاتهم ووضع علامات ولافتات تشير إلى عملهم الحقيقي بشكل واضح، ليتبين مع مرور الأيام بقاء هذه الأثريات والألبسة في مكانها ودونما أي حراك يذكر مع ازدياد واضح في عدد المختبئين خلفها وبشكل يطرح العديد من التساؤلات عن سبب بقائهم في وضع كهذا رغم توافر القانون الذي يوفر لهم الغطاء القانوني لمهنتهم.

شروط تفوق قدرات العاملين في السوق السوداء


«أ. ق» يعمل في السوق السوداء منذ منتصف التسعينيات وحتى اليوم، يعتمد على بيع الأثريات كواجهة لهذا العمل الذي يعتبره مهنته الأساسية التي لم يتقن غيرها، لديه زبائنه الذين يتعاملون معه منذ فترة طويلة ومن مختلف الدول العربية والذين يأتونه لتصريف كل ما لديهم أثناء إقامتهم في سورية وقبل خروجهم منها.
وعند سؤالنا له عن سبب عدم تقدمه لترخيص هذه المهنة مادامت السبيل الوحيد له للعيش يجيب: «ما يمنعني من ترخيص مهنتي هو الشروط القاسية المفروضة للحصول على هذا الترخيص بدءاً من الحجم المالي المطلوب وصولاً إلى مساحة المحل والتجهيزات المكلفة والتي تفوق إمكانياتي وإمكانيات أغلب العاملين في السوق السوداء».

مهنة الصرافة فصلت على مقاس أشخاص


هذه الشروط يراها- «أبو محمد»- والذي يعتبر نفسه من أقدم العاملين في هذه المهنة- وضعت لخدمة أشخاص معينين وبشكل كأنها فصلت على قياسهم فقط دون مراعاة من عملوا بهذه المهنة وكان لهم الفضل في خدمتها فترة طويلة من الزمن، فمن يمتلك المبلغ المطلوب للترخيص برأيه فقد يتجه إلى مزاولة نشاط اقتصادي مختلف فضلاً عن أنه يفوق قدرة أغلب العاملين في السوق السوداء السورية.
في حين أن «مأمون. س» وهو لديه محل لبيع الألبسة الجاهزة بريف دمشق يجد أنه ليس مضطراً للحصول على ترخيص لمزاولة هذه المهنة لكونه يمارسها بحرية وعلى معرفة ورؤية الجميع له، فضلاً عن أن الترخيص بالنسبة له يعني التقيد بأسعار ونشرة البنك المركزي وبالتالي تكبيل عمله بقيود قد تخفف من أرباحه.

المطلوب توعية المتعاملين


السيد «فادي أبا زيد» مدير شركة الفؤاد للصرافة يرى في بقاء السوق السوداء في سورية رغم ظهور مكاتب مرخصة، أمراً سيئاً على المواطنين وعلى شركات الصرافة المرخصة نفسها، نظراً لما تقدمه هذه السوق من تسهيلات بشكل مباشر أو غير مباشر لتمرير العملات المزورة وليس في سورية فحسب وإنما في أي مكان توجد به حيث يقول: «للعمل في هذه المهنة ضوابط وقواعد لابد من اتباعها، أهمها أن تعرف مع من تتعامل وكيفية هذا التعامل،؟ فمثلاً وطبقاً لشروط وتعليمات الترخيص الذي حصلنا عليه لا نقوم بصرف أي عملة أجنبية إلا بعد أخذ (صورة عن الهوية الشخصية) أو أي إثبات لصاحب العلاقة يمكننا من خلاله مراجعته ومعرفة مصدر أي خلل يحدث في المستقبل وبالتالي يكون لتحرك هذه العملة الأجنبية سجل يدل على كيفية وصولها إلينا فضلاً عن وجود آلات ذات مواصفات ومعايير متطورة تستطيع كشف أي تزوير وبالتالي منع تداوله في السوق، لكن في السوق السوداء كل هذه الإجراءات برأيي ليس لها وجود بدءاً من معرفة من قام بتصريف هذه العملة وصولاً إلى نوعية الآلات التي يقومون بفحص العملات بها والتي قد تسمح «لعدم دقتها» بتمرير العملة المزورة وتداولها في السوق لاحقاً دون معرفة مصدرها، وهنا أرى أنه لابد من القيام بحملة توعية للمواطنين والمتعاملين عن خطورة التعامل مع أسواق كهذه نظراً لما تسببه من ضرر كبير لهم وللاقتصاد الوطني».
ورداً على سؤالنا عن مدى تأثير بقاء السوق السوداء على سير عمل المكاتب المرخصة، يجيب: «لا شك أن هناك تأثيرات كثيرة ولها ضررها على عملنا أهم هذه التأثيرات هو فرق السعر الذي يقومون بطرحه في السوق، فسعر الصرف للعملات الأجنبية لدينا يحدد من البنك المركزي ففي كل صباح أجد نسخة عن أسعار بنك سورية المركزي على الايميل الخاص بالشركة وعلى الفاكس أقوم بتعميمها على الفروع ويتم التقيد بها بحرفية دون زيادة أو نقصان بناء على شروط الترخيص المفروضة علينا كمكاتب مرخصة، لكن هذا التقيد لا يتم تطبيقه من قبل السوق السوداء التي تزيد على سعر الصرف المفروض من البنك المركزي بفارق يصل إلى ما بين 10 و 20 قرشاً فمثلاً يكون سعر الدولار لدينا 47.35 في حين في السوق السوداء 47.50 وهنا يوجد فرق 15 قرشاً... فرق كافٍ لأي زبون للتوجه إليهم مباشرة ودون أي تردد لتصريف عملاته، الأمر الذي يشكل خسارةً لنا في جميع الأحوال لم نستطع إيقافها حتى الآن رغم تقديمنا شكوى إلى البنك المركزي طالبنا بها ملاحقة العاملين في السوق السوداء لتتحول هذه الشكوى إلى المحافظة التي وعدت من خلال تعاونها مع الأمن الجنائي بالعمل على إيقافها وما زلنا ننتظر حتى الآن».

البنوك هي صاحبة الثقة


المواطنون القادمون من الخارج هم في النهاية أصحاب القرار النهائي إلى أي وجهة سوف يتوجهون، وأي مكان سيضعون عملاتهم لتصريفها، وهم أصحاب القرار الفصل إن كان ترخيص هذه المهنة قد شكل لهم فرقاً عن فترة ما قبل ترخيصها أم لا.
«الاقتصادية» استطلعت آراء عدد من المواطنين السوريين والوافدين إلى سورية حول آرائهم في أسواق الصرافة السورية وجمعت مجموعة من الآراء حول المكان الذي يتوجهون إليه لصرف عملاتهم فضلاً عن مدى ثقتهم بالعاملين في هذه المهنة بشكل عام.
«مهند ياسين» يعمل في قطاع السياحة يرى أنه لا بديل من البنك المركزي تحديداً في تصريف عملاته الأجنبية، نظراً لتعرضه لعدد من عمليات النصب والاحتيال من قبل عدد من تجار السوق السوداء ولم يستطع تحصيل حقوقه لعدم توافر دليل قانوني ضدهم، الأمر الذي أفقده الثقة بهذه المهنة ومن جميع العاملين بها، مرخصين كانوا أم سوقاً سوداء.
«محمد. ج» من المملكة العربية السعودية أكد لنا تعرضه لعدة عمليات نصب من عدد من العاملين في السوق السوداء فضلاً عن عدم معرفته بوجود مكاتب مرخصة في سورية بهذا المجال، ولذا فإنه يعتمد البنك المركز الرئيسي له في عمليات التصريف لما يوفره له من حرية في التعامل مع زبائنه داخل سورية وخارجها.
أما «محسن خير» يعمل في قطاع السياحة فيجد أن فرق الأسعار الذي تقدمه السوق السوداء يساعد على تشكيل ربح إضافي لعمله ليس مستعداً ليخسره لمجرد التعامل مع مكاتب تدعي المصداقية وتقدم ضمانات لمتعامليها، فضلاً عن فرض إجراءات وتعقيدات أثناء عملية التصريف، وفي حال اضطر إلى التصريف من جهة معترف بها فالبنك المركزي هو وجهته الوحيدة.
في حين يجد «بلال الخضر» نفسه ليس مضطراً للتوجه نحو المكاتب المرخصة إلا في حال كان المبلغ المراد تصريفه كبيراً جداً، لكن في الأحوال العادية له أشخاص من السوق السوداء يتعامل معهم منذ عدد من السنوات، وهم بالنسبة إليه مصدر ثقة فضلاً عن أنهم يقدمون أسعاراً تفرق بشكل جيد عن أسعار البنك المركزي ليس بمستعد هو الآخر ليخسر هذا الفرق في أي حال من الأحوال.
أما «ي. ص» فيجد أن مصدر تعامله لا يكون مع من يقدم له الضمان بقدر من يقدم له «السعر الأفضل» وإن كان مصدره السوق السوداء أو الشركات المرخصة أو حتى البنك المركزي فمصدر التعامل بالنسبة له ولأي متعامل هو من يقدم له سعراً جيداً يحقق له زيادة جيدة في الربح.
«خلف. د» من دولة الكويت وبناء على خبرته الخاصة التي تعود لسفراته في عدد كبير من دول العالم يجد أن البنوك هي صاحبة الثقة الأولى لديه لتكون مصدر التعامل في أي موضوع يخص الأمور المالية، وتصريف العملات من ضمنها فهي الوحيدة التي تقدم الضمان الحقيقي لكون سمعتها ومصداقيتها في التعامل أكثر ما يهمها، وبالتالي ستكون حريصةًً على مصلحة المتعامل معها أكثر من حرصه على نفسه.
لاشك أن النقاش في قضية كهذه يحتاج للعمل على وضع حل جذري ينهي الخلاف القائم من جذوره من قبل المعنيين بهذا الأمر.. والإنصاف الأكبر يكون هنا لاقتصادنا الذي يجب أن يكون فوق أي اعتبارات مهنية أو معايير شخصية.

مالك أبو خير


نشرت في صحيفة الاقتصادية : http://www.iqtissadiya.com/detail.asp?id=4849&category=local

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق